علم الجمال


لمَّا كان الإنسان ظاهرة طبيعية من ظواهر هذا الوجود، خلقه الله سبحانه وتعالى ليعمر الأرض، فإن وسائله في التعبير وأدواته وعُدده وآلاته مستمدة مما يحيط به من ظواهر طبيعية أخرى، فإن حب الاستطلاع الذي يتميز به الإنسان يدفعه إلى أن يلاحظ ما يحيط به من ظواهر طبيعية، مستعملاً جميع حواسه، وبخاصة البصر والسمع واللمس، ومن ثَم يصبح كل ما يقوم به الإنسان من نشاط ابتكاري يسير على النسق نفسه الذي تسير عليه الطبيعة في نظامها الكوني.

تعريف الجمال:
-إن الجمال والخير والحق حقيقة واحدة
-العمل هـو الذي يـوصف بالخـير
-والشكل هـو الذي يوصف بالجمال

اتفق الناس على حب الجمال، ولكنهم اختلفوا في تعريفه. فيقول أفلاطون مثلاً: إن الجمال والخير والحق حقيقة واحدة، فليس بجميل ما يقوم على الباطل، ورُبَّ معترض على رأي أفلاطون يقول بأن الخير نافع، ولكن الجمال لا يشترط فيه المنفعة، والحق يقوم بالبرهان ولا حاجة بالجمال إلى برهان. ويفرق أرسطو بين العمل والشكل، فالعمل هو الذي يوصف بالخير، ولكن الشكل هو الذي يوصف بالجمال.

عناصر المتعة الجمالية:
إن الفن طريق المعرفة، وعالم الفن نظام خاص ذو قيمة للإنسان، يضارع عالم الفلسفة والعلوم، والحق أننا لا نبدأ في تقدير أهمية الفن في تاريخ البشرية إلا عندما نرى بكل وضوح، الفن بوصفه طريقًا للمعرفة، مساويًا للطرق الأخرى التي يتوصل بها الإنسان لفهم ما يحيط به" – هريت ريد - الفن والمجتمع.

من الملاحظ أن الإنسان يستجيب للأشكال الطبيعية الموجودة أمام حواسه من حيث شكلها العام ثم من حيث سطحها ولونها…

كما يتحقق تناسق معين نتيجة تكامل هذه العناصر مع بعضها، ويؤدي هذا التناسق إلى الإحساس بالرضا: وهو ما يمكن أن نعبر عنه "بالإحساس الجمالي". ومن ناحية أخرى، إذا لم يتحقق هذا التناسق في علاقات الأجزاء مع بعضها تولد لدينا إحساس بالنقيض وعدم الرضا وهو ما نسميه "الإحساس بالقبح.

ومن أجل هذا فإننا نقول: إن الإحساس بالجمال هو الاستجابة الطبيعية للعلاقات المتوافقة والمتوازنة بين الأجزاء التي يتكون منها الشيء الذي يقع أمام أعيننا.

ولما كانت أحاسيسنا وذكرياتنا مترابطة ومتداخلة على هذا النحو، فقد تُحْدِث الألوان التي نراها - في عمل فني - آثارًا نفسية من خلال هذه الترابطات التي لا نكاد نستبينها، "فاللون كما تراه العين وما يثيره من خيال، كلاهما سمات ضرورية في تأثيرها الجمالي.

إروين إدمان – الفنون والإنسان .

إن الإمدادات الرأسية في الفن القوطى، والخط الأفقي السائد في فنون البناء في عصر النهضة والمحاور الرأسية والأفقية في رسوم المقابر المصرية والخطوط الراقصة في أوعية الزينة الإغريقية والخط الكثير الانحناءات في الأرابسك والخطوط الجافة الصلبة في التصوير القديم.. كل ذلك عناصر مباشرة وجوهرية في المتعة الجمالية.


الجمال الذاتي:
إن القدرة على تأمل الطبيعة واستخلاص القيم الجمالية التي تغمرها، أمر بالغ الأهمية ليس في تكوين الذوق العام فقط، وإنما أيضًا: تسهم هذه المقدرة في فهم القوانين التي تحكم أشياء الطبيعة وتكسبها جمالها الذاتي.

ولغة الفن التشكيلي مستعارة من الطبيعة، فالخط واللون والظل والنور وملامس السطوح (الملمس الناعم والخشن) والأحجام والسطوح والفراغات، كلها مستمدة من دراستنا التحليلية للطبيعة، وأصبحت هذه العناصر هي بمثابة حروف وكلمات الفنون التشكيلية تمامًا مثل كلمات اللغة التي تصوغ منها الشعر والأدب، ومثل أصوات الطيور والرياح والمياه الجارية وهي العناصر الأولية التي نصوغ منها الموسيقى. وهكذا…

الخط:
كلمة خط لها مدلول واسع، فيمكن أن يكون حافة أو مكان اتصال المساحات، ويمكن أن يكون محيطًا بالشكل كله لتعريفه. ويمكن أن يكون نحتيًّا في حالة ما إذا أوحى بالكتلة، أو لتجميل سطح.

والخط يؤكد نفسه؛ ليحقق غرضًا ذاتيًّا للحركة أو لتأكيد عنصر معين، وتعتمد شخصية الخط - في جزء منها - على الأداة التي ينفذ بها كالفراشة أو الطباشير أو الآلة. وفى المباني يعتمد على شخصية الفنان نفسه، وللخطوط تأثيرها القوي، وهي تسهم في تحقيق التوازن والتناسق بين الأجزاء التي تتكون منها الصورة، فالخط المنحنى في سلاسة والمستقيم في حسم كلها تسهم في متعتنا الجمالية تؤدى إليها. ولا شك في أن الخطوط المختلفة: المنحنى - المستقيم - المتكسر - السميك - الرفيع… لها ما للنغمات العالية والمنخفضة من أثر جمالي.

الظل والنور:
إن طريقة استعمال الظلال والأضواء من أهم الوسائل التي تحدد مثالية العمل الفني وشخصيته.

وهناك اصطلاحات متعددة لهذا العنصر التشكيلي، فيطلق عليه أحيانا كلمة Tone أي نغمة أو درجة وهو اصطلاح موسيقي في أصله، كما نطلق عليها كلمة Value بمعنى قيمة، وهو يمثل المجال بين الأبيض والأسود وما بينهما من عدد لا يحصى من الدرجات.

والضوء ظاهرة كثيرة التقلب، فهو دائمًا يتغير في درجة كثافته وفى زاوية سقوطه؛ ولذلك كان من الصعب أن نمثله بشيء ثابت محدد كالخط؛ ولهذا أدخلنا عليه عملية التظليل وأصبح الضوء يتمثل في تدرجه بين الأبيض الناصع والأسود القاتم، حتى عندما نستعمل الألوان فلا نستطيع أن نمثل الضوء تمثيلاً واقعيًّا يصل به إلى جلائه الكامل إلا باستعمال كمية من الصبغة السوداء لتحدث التضاد، ويعتمد هذا على حساسية الفنان في وضع الألوان متجاورة.

الـلـــون:
من أكثر العناصر إثارة. وهو عنصر علمي كما هو عنصر تنظيمي. وتختلف حساسية الناس للألوان اختلافًا كبيراً، فبعض الناس لا يرى إلا الأبيض والأسود وما بينهما، والبعض الآخر لا يرى لونًا واحدًا معينًا. واللون يُعلي من عملية الرؤية ويمنحها قوة وحيوية وعمقًا، والعين حين تبصر تقوم بعملية تجميع، وتركيب هذا التجميع من خلال القوالب والأشكال التي تصوغها الخطوط. كما أن الألوان الساطعة والهادئة والمركبة… لها آثار عصبية فريدة.

ملامس السطوح:
كل خامة لها خاصية بنائية تحدد صفة سطحها. وهذه الخاصية تدرك باللون ويلاحظ أن العين تسهم في فهم هذه الخاصية؛ لأن السطح الخشن يحدث ظلاًّ ونورًا، والسطح الأملس معناه غياب الظل، كما أن انعكاس الضوء على بعض أنواع الأقمشة كالأقمشة الحريرية يعطي النظر حقيقة ملمسها، واللون يختلف تبعًا للسطح الذي يقع عليه.

وتختلف السطوح اختلافًا كبيرًا… فمنها الصلب واللين، والخشن والناعم، والدافئ والبارد والمحبب والمحصب …. وهكذا.

المساحة والكتلة والحجم:
هذه العناصر يجمعها عنصر الهندسة، والمساحات طبعًا ذات بُعْدين ويغلب عليها أشكال المربع والدائرة والمثلث والكتلة ذات ثلاث أبعاد، وأحيانًا تكون هذه الأشكال مختصرة أو محسوسة فقط، والفنان باستخدام الخط الفاتح والغامق واللون يبتكر مساحات يلعب بها في تصميمه.